خلف التقنية المعروضة في «بيغ 5»، يتركز معظم الشراء الإنشائي السعودي في نطاق ضيق من مقاومات الخرسانة ودرجتين من الفولاذ الإنشائي. وذلك التركز هو ما يجعل الإنتاج المحلي مجدياً.
أرضية المعرض تعرض مدى المتاح. ودفتر المشتريات يعرض المدى الأضيق بكثير لما يُشترى، وفي الإنشاءات السعودية ذلك المدى محدد جيداً.
فالشراء بالحجم تهيمن عليه الخرسانة المسلحة بمقاومة انضغاط 30 إلى 60 ميغاباسكال والفولاذ الإنشائي بدرجتي S275 وS355. ويغطي هذان البندان الأغلبية الساحقة من المحتوى الإنشائي لمخزون المباني في المملكة، من الإسكان مروراً بالتجاري وصولاً إلى كثير من المنشآت الصناعية.
والتركز ليس قيداً. بل هو الشرط المسبق لصناعة مواد محلية.
فاقتصاديات التصنيع تكافئ التشغيل الطويل لمنتج قياسي. فمصنع الدرفلة الذي ينتج مقاطع S275 وS355 باستمرار يحقق موقع كلفة لا يحققه مصنع يتنقل بين عشرات الدرجات المتخصصة. وعملية الخرسانة الجاهزة التي تورّد نطاقاً ضيقاً من المقاومات توحّد تصاميم خلطاتها ونظام اختبارها ومراقبة جودتها. وحيث يتقارب طلب سوق على مواصفات قليلة، يصير الإنتاج المحلي مجدياً بحجم لن تدعمه قاعدة مواصفات متشتتة أبداً.
وذلك هو المنطق الصناعي تحت رسالة التوطين في «بيغ 5 كونستركت السعودية». وهو ينجح للمنتجات التي تهيمن على الدفتر وينجح أقل بكثير لكل ما عداها.
ونطاق المواصفة يحدد كذلك شروط حديث الأداء الذي استضافه المعرض. فضمن 30 إلى 60 ميغاباسكال، لا تكون الفوارق اللافتة بين الخرسانات المقاومة بل المتانة وقابلية التشغيل وحرارة الإماهة والسلوك تحت ظروف الصب السعودية. فالخلطة التي تبلغ مقاومتها المحددة وتتشقق من التدرج الحراري في صبة كبيرة استوفت المواصفة وأخفقت في المهمة. ولهذا شغلت الإضافات والمواد الأسمنتية التكميلية وممارسة المعالجة مساحة أرضية أكبر مما شغلته المقاومة نفسها.
واختيار درجة الفولاذ يحمل حجة موازية. فـS275 وS355 تختلفان في إجهاد الخضوع، والاختيار بينهما يقايض وزن المادة بتعقيد التصنيع والوصلات. وقرار المواصفة يُتخذ في التصميم، وتحطّ نتيجته الكلفوية على المصنّع والمركّب، ولهذا يهم تفصيل الوصلة كلفةَ المشروع أكثر مما تهمها الدرجة. فالهيكل الذي يوفّر عشرة في المئة من التونّاج ويضيف تعقيداً بالبراغي عند كل عقدة قد يكلّف مركَّباً أكثر من التصميم الأثقل الذي حل محله.
والنقطة الأوسع للمورد هي أين يمكن التمايز فعلاً. ففي سوق يجري حجمها عبر مواصفتين، لا يتمايز منتج على المواصفة. بل يأتي التمايز من الاتساق، ومن موثوقية التسليم، ومن الدعم الفني عند نقطة الصب، ومن التوثيق — وهو تحديداً ما كان المشترون السعوديون يستخدمونه من مفردات على الأرضية حين سألوا عن الشهادات والأداء المختبَر والمراجع الفعلية للمشاريع. وتلك هي السمات التي يستطيع المشتري التحقق منها، وفي سوق ذات مواصفتين هي الوحيدة الباقية للتنافس عليها.