المواد والبضائع المستوردة تتحرك إلى الداخل من الموانئ السعودية مع ما هو أقل بكثير عائداً. والسير فارغاً كلفة بنيوية تحملها المنظومة اللوجستية كلها، والتصنيع الداخلي من قلائل ما يغيّرها.
لتدفقات الشحن في السعودية شكل يظهر في كل سعر مسلَّم ونادراً ما يُناقَش مشكلةً بذاتها.
فالبضائع تتحرك إلى الداخل. تصل المواد والمعدات والسلع الاستهلاكية المستوردة إلى ميناء جدة الإسلامي على البحر الأحمر وموانئ المنطقة الشرقية على الخليج، وتسافر إلى الرياض والمدن الصناعية ومواقع الإنشاء عبر الداخل. ويسافر القليل نسبياً في الاتجاه الآخر.
وذلك الاختلال سمة اقتصاد يبني ويستهلك لا يصدّر سلعاً مصنّعة، وله كلفة مباشرة. فالشاحنة لا تكسب إلا وهي محمّلة ومتحركة. وحين تسير رحلة العودة فارغة، تُسترد كلفة تلك الرحلة في سعر الذاهبة، ولذلك تقع داخل السعر المسلَّم لكل طن من الحديد والأسمنت والمعدات يصل موقع مشروع.
والحجم ليس هامشياً. فكلفة الشحن البري مكوّن معتبر في أسعار المواد المسلَّمة في بلد بهذا الحجم، وهي تتراكب مع ضغوط الأجور والوقود التي يحملها قطاع الإنشاء أصلاً.
والتخفيفات البديهية تشغيلية وجزئية. فمطابقة الأحمال الأفضل بين المشغّلين تقلّل السير الفارغ على الهامش، ومشغّلو الطرف الثالث أفضل بنيوياً في ذلك من الأساطيل المخصصة لأنهم يرون تدفقات أكثر. وعقود حمولة العودة، حيث يلتزم الناقل بحمل عودة بخصم، تعيد توزيع الكلفة لا تزيلها.
والتخفيف البنيوي مختلف، وهو من الحجج الأهدأ للتوطين الصناعي. فالمصنع في مدينة صناعية داخلية يشحن منتجاً نهائياً عائداً نحو ميناء أو نحو سوق أخرى يعطي رحلة العودة ما تحمله. وهو يحوّل تدفقاً أحادي الاتجاه إلى ثنائي، ويحسّن اقتصاديات كل مشغّل يخدم ذلك الممر لا اقتصاديات المصنّع وحده.
والهيئة السعودية للمدن الصناعية ومناطق التقنية تشرف على 39 مدينة صناعية بأكثر من 9,000 منشأة، موزعة عبر البلاد لا متركزة على الساحل، وتلك هي الجغرافيا التي تجعل هذا ممكناً.
والبرنامج اللوجستي الوطني يقارب المشكلة نفسها من جانب الشبكة، مستهدفاً 59 منطقة لوجستية بحلول 2030 عبر أكثر من 100 مليون متر مربع، بوصول إلى الساحلين. والمناطق تجمّع التدفقات، والتدفقات المجمّعة أسهل موازنةً من المبعثرة.
ولا أحدهما يصلحه وحده. فالاقتصاد الذي يستورد بالحجم أكثر مما يصدّر سيجري دائماً كيلومترات محمّلة أكثر في الوارد، والسؤال هو فقط كم من سعة العودة يمكن استخدامه. وكل طن يتحرك صادراً من مصنع داخلي طن لا يسافر هواءً.