عبر الإنشاءات في الرياض والطاقة في دبي والغاز في بانكوك والذكاء الاصطناعي في معرضي الرياض، صمد نمط واحد. فالإعلانات كانت رقمية والاختناقات مادية، والفجوة بينهما هي حيث يقع العقد المقبل من الصناعة الخليجية.
عشر فعاليات صناعية عبر أربع دول في أسبوعين تنتج ضجيجاً كثيراً وإشارة واحدة، وتستحق القول صراحةً.
فالإعلانات كانت عن الحوسبة. والقيود كانت عن الفولاذ والنحاس والناس.
فقد اختُتم «ليب» في الرياض على استثمارات واتفاقيات تقارب 15 مليار دولار، معظمها بنية تحتية للذكاء الاصطناعي. وبعد أسبوعين تنعقد القمة العالمية للذكاء الاصطناعي في المدينة نفسها. وبينهما، ملأ «بيغ 5 كونستركت السعودية» واجهة الرياض بأكثر من 1,000 عارض يبيعون الخرسانة والحديد والمبردات والمضخات والضوابط، وملأ معرض الشرق الأوسط للطاقة مركز دبي التجاري العالمي بـ1,900 شركة تبيع المحولات ولوحات القطع والتخزين.
وتلك ليست قصصاً منفصلة. فالأولى لا تحدث بلا الثانية، والثانية هي النصف الأبطأ.
وانظر إلى ما تتطلبه إعلانات الحوسبة فعلاً. فقد أُعلنت عدة مئات من الميغاواطات من سعة مراكز البيانات السعودية داخل أسبوعين، مقابل قاعدة تشغيلية تبلغ نحو 467 ميغاواط في الربع الأول. وكل ميغاواط من ذلك يحتاج ربطاً شبكياً عند جهد النقل، ومحطة تحويل فائقة الجهد، ومحولات تُشترى بمُهَل دولية طالت مع استثمار كل شبكات العالم في آن، وتوزيعاً متوسط الجهد، وأنظمة إمداد غير منقطع، وتوليداً احتياطياً، ومعدات تبريد محجَّمة لظروف السعودية المحيطة، ومبنى مصمماً حول أحمال الرفوف. ثم يحتاج أسابيع من اختبار الأنظمة المتكامل بفرق تنقص المنطقة.
ولا شيء من ذلك مسألة تقنية. بل كله مسألة شراء وإنشاء، والجدول يحدده أبطأ البنود.
وصمد النمط نفسه في كل قطاع لمسه الأسبوعان. فطريق قطر من 77 إلى 142 مليون طن من الإسالة، ورويس عند 9.6 مليون طن، والجافورة عند 2 مليار قدم مكعبة يومياً، وقبة غاز باب عند 1.5 مليار، كلها تتنافس على المقاولين أنفسهم وورش التصنيع نفسها وموردي المعدات التبريدية العميقة والدوّارة أنفسهم. وشبكة الخليج تدير الربط والرقمنة والتعزيز بالتزامن، وتقيّدها مصانع المحولات لا رأس المال. والإنشاءات السعودية تنمو قرابة 3.6 في المئة بالقيمة الحقيقية مقابل تضخم أجور بين 8 و13 في المئة وارتفاع 35 في المئة في كلفة وقود الأسمنت.
وما كانت أرضيات المعارض تبيعه، في كل قاعة، هو تخفيف واحد من ثلاثة قيود: عمالة يجب استقدامها من الخارج على دورة 38 يوماً، ومعدات تصل على طابور مصنع في قارة أخرى، ونقص في الناس القادرين على إثبات أن ما رُكّب يعمل فعلاً.
ولهذا كان التوطين أعلى موضوعات الأسبوعين صوتاً، ولهذا ينبغي قراءته حجةَ سلسلة إمداد لا حجة سياسات. فالمكوّن المصنوع في المملكة ليس أرخص شحناً فحسب؛ بل هو متاح في إطار زمني لا يتاح فيه المستورد.
والنتائج حتى الآن أمينة ومتفاوتة. فالتصنيع الثقيل تُوطِّن فعلاً — ومصيدتا السوائل من الزامل للحديد بوزن 1,750 طناً للفاضلي، بطول 44 متراً وجدران 196 ملم مبطنة بسبيكة 825، هما المقياس، وقد صُنعتا في المملكة. وبرنامج المحتوى المحلي لدى أرامكو تجاوز 70 في المئة في فبراير ويستهدف الآن 75 بحلول 2030. والفنار تبني خوادم HPE بمعدل 700 شهرياً ووضعت 150 مليون دولار في مكونات مراكز البيانات. ولينوفو تبني مصنعاً داخل منطقة لوجستية.
وما لم يُوطَّن هو القائمة الأهم للجدول: المحولات الكبيرة، ولوحات القطع فائقة الجهد، ومعدات التبريد العميق، والآلات الدوّارة، وأشباه الموصلات. وكل منها يحجبه حجم السوق أو الهندسة المتراكمة لا رأس المال، ولا أحدهما يستجيب لميزانية.
وأنفع ما أنتجه الأسبوعان لم يكن رقماً بل تمييزاً. فالإعلانات التي تضيف سعة تغيّر ما يملكه الخليج. والإعلانات التي تضيف تصنيعاً تغيّر ما يستطيع صنعه. والفئة الأولى بلغت مليارات عبر أربع دول؛ والثانية بلغت بضع مئات من الملايين وحفنة مصانع.
وكلتاهما تهم. والثانية وحدها تتراكم.
والاختبار هو كيف ستبدو المعارض نفسها العام المقبل. فـ«ليب» يعود إلى أبريل، ومعرض الشرق الأوسط للطاقة إلى مايو، و«بيغ 5 كونستركت السعودية» إلى واجهة الرياض. فإن كان نصف التصنيع من الإعلانات قد نما نسبةً إلى نصف السعة، تكون المنطقة قد حوّلت ازدهاراً إنشائياً إلى قاعدة صناعية. وإن لم يكن، تكون قد بنت كثيراً وصنعت منه قليلاً جداً.